ليس هناك ما هو اغرب من تلك الحملة التي تشنها حركة حماس في قطاع غزة منذ اسابيع لنشر الفضيلة بين نحو مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في اكبر سجن في العالم، اقامه الاسرائيليون وسيجوه بالاسلاك الشائكة المكهربة، فيما يتولى الاسلاميون حراسته من الداخل ويبذلون قصارى جهدهم للامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وليس هناك اكثر سريالية من ذلك السجال الدائر حاليا في القطاع المحاصر وفي الضفة الغربية المحتلة حول قرار فرض الحجاب على المحاميات الفلسطينيات لدى مثولهن امام المحاكم، والذي تستخدم فيه مختلف انواع الحجج والاراء الاسلامية والمدنية، وتتداخل السياسة مع الدين لتنتج انحدارا لا سابق له في الوعي الفلسطيني الذي كان وربما لا يزال متقدما على الوعي العربي عامة، نتيجة تشكله من تجربة الصراع التاريخي، ذي الافق الوطني والقومي والانساني، مع العدو الاسرائيلي.
والسجال الذي يدور في غفلة من الزمن الفلسطيني الصعب، بات مثيرا للحيرة والحرج خصوصا بعدما انضم اليه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي توقع ان يؤدي قرار فرض الحجاب على المحاميات الفلسطينيات الى انقلاب الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة على حركة حماس في المستقبل القريب، وبالتالي الى تخلي ذلك الجمهور عن فكرة تدمير دولة اسرائيل وتقبله خيار الاعتراف بوجودها!
هي من علامات قيام الامارة الاسلامية في قطاع غزة، يقول بعض السذج الذين لم يلاحظوا حتى الان وعلى الرغم من مرور عامين على سيطرة حركة حماس على ذلك السجن الفلسطيني، ان تلك الامارة قائمة بالفعل، وقد اجتمعت عليها دول العالم وشعوبه كافة، والحؤول دون استقرارها او استمرارها، وتاليا تمددها باتجاه الضفة الغربية شمالا، او باتجاه المدى المصري الواسع جنوبا.. وكانت الحرب الاسرائيلية الاخيرة على القطاع في كانون الاول الماضي ذروة تلك الحملة العربية والاجنبية، وخلاصتها الاهم.
ما تغير في شكل تلك الامارة ان حركة حماس التي سلمت ببعض اشكال الهزيمة، لا سيما وقف المقاومة ومنع اطلاق الصواريخ من القطاع، واعلنت اعترافها بحدود العام 1967 للدولة الفلسطينية المنشودة، لم تسلم حتى الان بضرورة تسليم مفاتيح السجن الفلسطيني الكبير الى السلطة الفلسطينية، وقررت ان تدخل في اختبار بائس جديد مع ذلك الجمهور السجين والمعذب، باعلانها قبل اسابيع المباشرة في مكافحة مظاهر الفسق والفجور، لاسيما التي تشمل تماثيل عرض الملابس النسائية وعلب الكرتون التي تحمل صور ثيابهن الداخلية، فضلا عن منعهن من السباحة في البحر من دون محرم، حتى ولو كن بكامل ملابسهن.
باختصار، اعلنت الحركة ان المرأة الفلسطينية هي عنوان جهادها المقبل، ودخلت في مسار تصادمي غريب مع شريحة واسعة من مجتمع طور دينامياته الخاصة خلال مسيرة نضاله الوطني الطويل.. ووفرت ذريعة للسلطة لكي تمارس الرذيلة السياسية في الضفة الغربية، حيث تتبلور فكرة تحويل القضية الفلسطينية الى عقدة ذنب لدى الاسرائيليين تحتاج الى علاج نفسي طويل!